سلام و مرحبا


أقوم المسالك، مدوّنتكم لما وراء الأخبار السّياسيّة و كلّ ما يهمّ الشّأن العام.
Showing posts with label تونس. Show all posts
Showing posts with label تونس. Show all posts

Thursday, July 4, 2013

الخطأ الأوحد و الوحيد الذي أسقط مرسي و يهدّد تونس


سقط مرسي. سقطت غزّة و زيارة الرّؤساء لها. سقطت النّهضة المصريّة. سقط مشروع قناة السّويس. سقطت الدّولة المدنيّة و دستور ثلثي الشّعب المصري و إنتخاباته و إعلامه. هل سقط كلّ شيء؟ لا.
بل إنّ بين صفحات التّاريخ أمثلة لإنقلابات فاشلة فوق عددها تلك النّاجحة. لا يزال الأمل على أشدّه و لم يحسم شيئ بعد. و لا نعلم ما ستحمله الأيّام المقبلة من ردّة فعل للقوى الدّاعمة للرّئيس المنتخب و الشّرعيّ بعد إمتصاصها للصّدمة و تحيينها لخياراتها، و هي الخبيرة بطرق العمل تحت الضّغط الأمنيّ و التّعتيم الإعلاميّ.
و لكن لا يسعني، من صئدد الألم و الحرقة على محاولتنا الموؤودة لتحقيق آدميّتنا إلّا أن أضع اليد على السّبب الوحيد لهذا الإنقلاب و قد تشتّت التّحليلات بهستيريّة لتضعه على شمّاعة التّدخل الأجنبيّ و التّواكل-على طريقة نظريّة المؤامرة:
صحنا و صرخنا و كتبنا و قلناها مرار و تكرارا. تجاهلني الصّديق و العدوّ بل و ضحكت منّي ذات مرّت قاعة مؤتمرات كاملة.
نعم لمرسي شرعيّة الصّندوق و وراءه جموع الشّعب المصريّ و القانون و الدّستور. و لكن ماذا عساه يفعل بمناصريه العزّل، يضعون ورقة في صندوق و السّلام. زخّة أو زخّتان من سلاح "جيش جمهوريّة مصر العربيّة" الذّي لم يصبر على "آداء واجبه الوطنيّ" سنة و نيف، و سيرجعون أدراجهم و لا هم يلامون. ثمّ يبدأ العمل على طريقة بن علي بقظم المؤيّدين شيئا فشيئا و تقطيع أوصالهم و سجنهم و لا ارى تلّ أبيب تمانع في رحيلهم البتّة.  
و لكن. و لكن لا يملك مرسي قوّة تنفيذيّة. يجب على الحكّام الجدد تأسيس حرس للثّوررة بطريقة معلنة و قويّة حتّى يصبح لمحاول الإنقلاب حسبان ألف حساب آخر. كيف ربحت الثّوة الكّوبيّة؟ كيف نجت حماس في قطاع غزّة من مذبحة كانت محدقة بهم؟ كيف استمرّ النّظام الإيرانيّ؟ فحتّى مريد السّلم و الدّيمقراطيّة إن لم تكن له بندقيّة تحمي الصّندوق و تحفظ السّلم و تعدّل موازين القوى النّفسيّة فباب السّجون السياسيّة أقرب إليه و أدني من تحقيق أيّ من أهدافه و برامجه حتّى إن و كانت النّبل ذاته.  
إنّ ذروة سنام الثّوة هو إيجاد قوّة أمنيّة حقيقيّة موالية لها دون مواربة. و لقد بان بالكاشف أنّ بوليس مبارك سيبقى طول الدّهر بوليس مبارك و لا إصلاح له إلّا تحييده. هل يصدّق عاقل أنّ الفاسد المعذّب سيتولّى ضبط الأمن بإخلاص ليستتبّ الأمر إلى سجينه السّابق؟ هل بلغت بنا السّذاجة أن يناط بالمرتشين السّفاحين التّحقيق و إيجاد الادلّة لإدانة أولياء نعمتهم من فلول طلقاء يقابلونهم و يستشيرونهم و هم أدرى بكواليس الجهاز الأمنيّ من أيّ رئيس شرعيّ مهما كتب من قوانين و تصوّر أنّه يعالج مريضا  في الحقيقة ميؤوس من شفائه لانه إستحال عفنا خالصا لا أمل فيه ولا حياة .
هذه مصر بدستورها و بملايين إخوانها المهيكلين المنظّمين بدون انقطاع منذ 1928، فما بالك بتونس و ملايين تجمعيّيها و تضخّم قطاعها البولسيّ و برجال أعمالها الفاسدين الطّلقاء و بإعلامها النوفمبريّ؟ إستبعد رئيس وزراء تونس "تكرار السّيناريو المصري" بتونس و تلك أضغاث أحلام تلاك درءا للكابوس القادم. ماذا سيمنع مليوني تجمعيّ من التّجمهر بشارع الحبيب بورقيبة" لاستكمال الثّورة". ماذا سيضمن لكم جانب أمن بن علي و هاهي ما تسمّى بنقابات الأمن تتطاول عليكم في عزّ قوّتكم و ليست بمتراجعة عن نحركم و نحرنا عند أوّل رجّة حقيقيّة. أتعتقدون أنّ جنود الردّة لا يملكون جهاز تلفاز أم هم نيام عند حدوث إنقلاب مصر و السّهولة التّي حدث بها تسليم رآسة 80 مليون نفر إلى من لم يعرفوا فما بالك بيرتضوا؟ نعم لا جيش لتونس قادر على الإنقلاب و لكنّ البوليس أكثر من قادر على قلب الوضع متى شاء. باللّه عليكم،  مثلا عيّنتم ولّاة، و تركتم الطّاقم الفاسد من حارس الولاية إلى كاتبة الوالي، طرد واليكم إذا سهل و لا يستلزم إلّا رسالة نصيّة من وليّ نعمة تجمعيّ في ظرف سانح و يكون الوالي أمام الباب إن نجى بحياته.
حتّى لا تقتلنا الردّة، و ما أسهلها (راجع مقال حتّى لا تقتلنا الردّة على نواة) أكرّر و لن أسأم من التّذكير. يجب تكوين حرس معلن و شفّاف للثّورة صلب الدّاخليّة. قيادات حرس الثّورة يجب أن تكون من صلب الثّوار و الشّباب و الأمناء و كلّ أعضائه من الشّباب المنظمّين لسلك الأمن بعد الثّورة. قوّاة حرس الثّورة ستعتقل و ستقتل كلّ من يدعوا لتقتيل أيّ فصيل بتونس، سيخرجون كلّ من يدعوا إلى تهديد وحدة تونس التّرابيّة كالجرذ من منزله، حرس الثّورة سيحمون كلّ مظاهرة و كلّ إضراب لتحقيق التّطهير و طرد الفاسدين، حرس الثّورة سيحقّق في جرائم النّظام السّابق و يقدّم أدلّة بتّارة و يطبّق القانون و سيحترم المواطنين و لن يسبّ أمّهاتهم حتّى قبل تطبيق حكم الإعدام على قاتل مدان فما بالك بمتظاهر أو صحفيّ غيور.
مطلب الثّوار الأوّل و برنامج الحكومة العاجل لا يجب أن يعدو هذا و لا يلومنّ أحد إلّا تخاذله يوم لا تنفع النّدامة.
حرس الثّورة  إستحقاق      لا إصلاح النّفاق

Friday, May 17, 2013

تونس و إسرائيل: نحو عناق الملاكم.


منذ بدايته سنة 48 لم يفتأ الصّراع مع إسرائيل يكون محوريّا و مشكّلا (بكسر الكاف) للهويّة الإسلاميّة عموما و لشخصيّة الدوّل أو بالأحرى المجموعة البشريّة النّاطقة بلغة الضّاد خصوصا.و لا داعي هنا إلى تعديد وجوه القدسيّة الدّينيّة و الفولكلور البطولي لتاريخ مقاومة الكيان الصّهيوني لبيان التّأثير الجبّار لهذا الصّراع التحرريّ على العقل الإسلامو-عربيّ.
بل الأحرى بنا، في إطار "تونسيّتنا"، بيان الخيارات الأساسيّة لقطرنا لتجاوز التّيه المبدئيّ في تعامل الدّولة الرسمي مع الكيان الإسرائيل. و الإشكال الجوهريّ في رأيي هو غياب، بل تغييب، الصّراحة في طقس جماعيّ غريب ننخرط فيه جلّنا لمّا نتحدّث عن إسرائيل: معارضة و موالات، الكلّ ينشد بعنتريّة جاهليّة نشيد دعم الكفاح الفلسطيني و مقاطعة إسرائيل و في المقابل تجريما للعمل المسلّح أو ما يوصم بالجهاديّة و تناسيا متعمّدا لضآلة هذا الدّعم "المنافق" إن وجد في سياق تعقيدات الصّراع و لاعبيه الكبار. فدور تونس لا يقارن مثلا بدور الولايات المتحّدة و إيران و موسكو و بالطّبع الدّول التي تتقاسم حدودا مع إسرائيل و تقيم معها علاقات "طبيعيّة" وهي أساسا الأردن و مصر و إلى حدّ ما سوريا.إنّ الواقع المعاش يثبت حقيقة تمكّن إسرائيل لعوامل عدّة من التفوّق النسبيّ على محيطها سياسيّا و إقتصاديّا و تكنلوجيّا و الأهم من ذلك أحيانا عسكريّا.وإنهاء الصّراع مع إسرائيل،أي إسترجاع كامل الأرض والحقوق دون نقصان، يستدعي التفوّق عليها في كلّ هذه جميعا و غيرها كما يستدعي حسما عسكريّا في إطار حربيّ مفتوح.
 إذا لو أردنا أن ندقّ طبول "الممانعة" و "تجريم التّطبيع دستوريّا" في تونس يجب علينا النّظر موضوعيّا إلى بعض المؤشّرات:فإسرائيل في المرتبة 17 من مؤشّر التنمية البشريّة للأمم المتحدة في حين تأتي تونس في المرتبة 94 لعام 2011. و هذا المؤشّر يضمّ عدّة مكوّنات كالتّعليم و الصحّة و النّاتج الوطنيّ الخام للفرد حيث يقدّر الإسرائيلي ب 849 25 دولار و نضيره التّونسيّ ب281 7 دولار فقط**. إذا، موضوعيّا لا مجال للمقارنة بين مستوى التّنمية أو الأداء الإقتصادي بين تونس و إسرائيل بتاتا. و في حال أضفنا المستوى العسكري و بُعدَنا الجغرافي يتضّح لنا سخافة كلّ الجعجعة و المزايدة الجوفاء ضدّ إسرائيل واستحالة مساهمتنا حتّى في دعم نموذج المقاومة الحالي على المستوى الرّسمي (أي كدولة).
 و لكنّ القضيّة الفلسطينيّة بالنسبة لتونس لا يمكن أن تختزل في هذه المؤشّرات الإقتصاديّة للإعتبارات الآنفة الذّكر حول البعد المبدئيّ و الدّيني و الحضاري للصّراع. فالهويّة التّونسيّة لا تأبى إلّا أن تؤديّ إلى توافقنا العريض حول هدف بل واجب المساهمة في تحرير الأرض المحتلّة المقدّسة. لكن كيف بنا الوصول إلى ذلك الهدف المنشود و الحال كما تقدّم في البون بيننا و إسرائيل؟ هنا تأتي الأهميّة القصوى لإلقاء الشعارات التّافهة جانبا و بناء إستراتيجيّة حقيقيّة لإدارة الصّراع:لقد أثبتت الدّبلوماسيّة التركيّة خصوصا و ربّما القطريّة إلى حدّ ما، أنّ التّعامل مع إسرائيل على أسس النديّة و المصالح يؤدّي إلى تأثير أكبر و مجهود مؤثّر في الحدّ من الإنتهاكات الحقوقيّة في حقّ الفلسطينيّين على الأقلّ. و قد تمكّنت هذه الدّولتان عبر هذه العلاقات من توصيل الدّعم المباشر إلى فلسطين و تدعيم صمود الجماهير. كما أنّ أسلوب العصى و الجزرة أثبت أنّ عصى "قطع العلاقات" ناجعة في ثني المحتلّ أو تكبيده خسائر كبيرة في حال عدم تجاوبه وكلّنا نذكر تأثير الهجوم على مرمرة.
 إنّ الكيان الصّهيوني يشعر بالخطر دائما و هو في حالة بحث دؤوب عن علاقات جديدة و ليس مستعدّا لخسارتها بسهولة. و هو مستعدّ لتقديم مقابل سخيّ في مقابلها. و من قبيل المقابل، يمكن لتونس أن تفتح مقارّا للفصائل المقاومة و الغزّاويّة النّشاط خصوصا، ممّا يفتح بوتقة كبيرة في جدار الحصار و يفتح على المقاومين بابا للحوار مع العالم من تونس.
 إنّي أرى أنّ مساهمة تونس في دفع قاطرة التحرير في فلسطين ستكون معتبرة في حالة قيام علاقة مصالح، و إحدى أعلى مصلحنا هي تحرير فلسطين كما قلنا، و التمكّن من خلالها في التّأثير المباشر و الفعّال في الكيان الصّهيوني و ليس الهدف هي المقاطعة في حدّ ذاتها. إنّ التوّاصل في تجاهل هذه الحقيقة و الإحتماء الجبان بشعارات الممانعة و الإمتناع عن شرب الكوكة و النسكافي ما هو إلّا فصل آخر من فصول الكسل و الخمول الجماعيّ و محاولة التهرّب من التحدّيات الحقيقيّة للسياسة الخارجيّة التونسيّة. كفانا جهادا لإسرائيل من مقاعد مقهى المرجان و هلمّ إلى الواقع نتلمّسه لا ليوقلبنا بل لنأثّر فيه بجديّة.
و بعد بيان و عرض ما سلف أدعو إلى مراجعة جديّة و لإيجاد أوّل سياسة تونسيّة حقيقيّة لإدارة القضيّة الفلسطينيّة منذ الإسقلال

** يمكنكم الإطلاع على تقير الأمم المتحدّة للتنمية كاملا و بالعربيّة على هذا الرّابط:

Wednesday, February 6, 2013

فيق يا شعبي فيق، شكون اللّي يقتل و شكون يحمي فيك


قتل العشرات من السّلفيّين ببغي الدّاخليّة و بتحريض من جنود الردّة و بقانون الإرهاب و لم نراهم يهاجمون مقرّات الأحزاب و المونوبري و محلّات الذّهب و يقتّلون أعوان الأمن الذّين يقتلونهم إلّا إنفلاتات معدودة هنا و هناك. بالعكس، دعاتهم و قياداتهم دائما ما تدعوهم للهدوء و درئ الفتنة حبّا لهذا الشّعب فهم منه و له.

أمّا بنو جلدة شهيدهم المدعو شكري بالعيد، قتل أحدهم فدعوا للإنسحاب من التّأسيسي و الإضراب العام و التّظاهر و عنّفوا الآمنين و قتلوا النّفس الحرام. 
فيق فيق ياشعبي. من يحمي ثغورك و منشآتك العموميّة أمامك بالشّارع الآن تطلّ عليهم من شبّاكك، و من يربو إلى فنائك و يحرق بلادك و يدمّر مقّدراتك أمامك الآن تطلّ عليهم من شبّاكك.
سلفيّون يحمون بنزرت  https://www.facebook.com/video/video.php?v=154046794752612 
حمّة الهمامي يدعو للتّصعيد http://www.babnet.net/rttdetail-60099.asp

Thursday, December 20, 2012

النّهضة و التّحول الثّوري للإخوان دوليّا





رغم التّقاطع الأيديولوجيّ الجذريّ و التّماهي التّنظيميّ للإخوان المسلمين عالميّا، لا يمكننا وضعهم كتيّار في سلّة واحدة[1]. يصرّ الإخوان المسلمين، الآن على الأقلّ، على أنّ المنظّمات القطريّة كإخوان الأردن و الإمارات و سوريا تتمتّع باستقلال تامّ في إتّخاذ القرار. كما أنّ الإختلافات الموضوعيّة بين الظّروف في هذه الأقطار تفرض على إخوان كلّ قطر إنتهاج تكتيكات واستراتيجيّات مختلفة لا محالة. فإخوان سوريا، كبقيّة المعارضين السّوريّين، يتعاملون مع حرب ثوريّة  معلنة و شاملة. بينما يتعاطى الإخوان الأردنيّون مع ثورة أو حراك ذي طابع سلميّ يغلب عليه سقف مطالب سياسيّة لا تطالب بقلب النّظام رأسا. أمّا الفصيل الأمّ، أي الإخوان المسلمين في مصر، فيواجه وضعا فريدا حيث لا تزال ديناميكيّة الثّورة متأجّجة بينما يسيطر الإخوان على مقاليد السّلطة التّنفيذيّة و التّشريعيّة عموما.
رغم هذه الإختلافات الجذريّة إلّا أنّ تحوّلا إستراتيجيّا عميقا يجمع التّيارات المذكورة قاطبة. فلقد مرّ الإخوان في مصر من مرحلة القبول المتفاجئ للثّورة في بداياتها إلى رأس حربة الثّورة. فممثّل حزب الحريّة و العدالة المنبثق عن الجماعة، الدّكتور محمّد مرسي، خاض الإنتخابات الرّئاسيّة، و خصوصا جولة الإعادة منها، كمرشّح الثّورة و حامل لوائها أمام خطر الرّدة المفجع ممثّلا في منافسه أحمد شفيق. أمّا في الأردن فقط صار الإخوان الفصيل النّشيط و الأكبر في إطار الحراك الشّعبيّ. و رغم تمسّكهم، إلى حدّ الآن بعدم رفع سقف التّظاهر غلى شعار إسقاط النّظام إلّا أنّهم يقفون على طرفي النّقيض من السّلطة و قوى الفساد في الأردن[2]. أمّا سوريا، و التّي ندعو اللّه أن يخفّف على ثوّارها المدنيّين و يقرّب من نصر الكتائب الثّوريّة المقاتلة على قوّات و شبّيحة نظام البعث الإشتراكي، فقد شهدت إنخراط الإخوان في الثّورة منذ بداياتها. و رغم صعوبة التحقّق من وجود هياكل تنظيميّة إخوانيّة مقاتلة، و هو ما ينفونه[3]، إلّا أنّ هياكل التّنظيم و من منافيها تصدّرت الجهود الرّامية لتوفير الحاضنة السّياسيّة للثّورة.
فلا شكّ إذا أنّ الإخوان إختاروا التحوّل من مقعدهم التّقليديّ المعارض  للحكم إلى تصدّر المشهد الثّوريّ بل و قيادته كما الحال في مصر خصوصا و الأردن إلى حدّ ما. فالثّورة العربيّة فرضت على كلّ القوى البحث عن تموقع جديد على الساحة السّياسيّة. و رغم تذبذب آداء الإخوان بادئ الأمر و جنوحهم نحو موقفهم التّقليديّ في البحث عن التّوافقات إلّا أنّ تموقعهم أخذ يتجلّى أكثر كلّما إمتدّت الثورة زمنيّا. و كان الخيار الواضح هو الوقوف بجانب الثّورة و تبنّي تكتيكات ثوريّة قاطعة مع الدّكتاتوريّة.
فماذا عن الحالة الإخوانيّة في مهد الثّورة-تونس- متمثّلة في حزب حركة النّهضة؟
تختلف الوضعيّة تماما بالنّسبة لحركة النّهضة و ذلك لإعتبارات عديدة. فالنّظام التّونسيّ الدّكتاتوريّ، بقيادة بو 
 رقيبة و خلفه بن علي،مارس سياسة "تجفيف منابع الإسلام" و القمع الشّديد المترافق مع أجندة حظاريّة تغريبيّة قاسية لم يشهد لها العالم العربيّ مثيلا (فحتّى في سوريا، القمع كان مركّزا على التّنظيم السّياسيّ الإسلاميّ لا على الحظارة الإسلاميّة في مجملها. و قد أدّت هذه الحملة،في جملة ما تمخّضت عنه، إلى إجتثاث تامّ لحركة النّهضة تنظيميّا وتحلّل وجودها إلى حدّ الإختفاء من السّاحة العامّة سوى بضع أفراد لم يكبّلهم السّجن أو التّجويع أو الخوف أو كلّها مجتمعة فبقوا ناشطين. متسلّلين خصوصا من خلال النّقابات و المنظّمات الحقوقيّة و حتّى الأحزاب الأخرى كالدّيمقراطي التقدّمي الذّي قوى عوده بفضل الهجرة القسريّة للإسلاميّين إليه. و بهذا تختلف الحركة الإخوانيّة التّونسيّة عن نظرائها سواءا في الدّاخل (مكّن النّظام السّابق رغم المضايقات، اليسار التّونسيّ عموما من الحفاظ على وجوده النّخبويّ و تغلغله الإداريّ و دور ثقافيّ لم يكن يزعج النّظام) أو بالخارج في طباق مع إخوان مصر و الأردن اللذّين حافظوا على تماسك تنظيماتهم و وجودها.
تظافر عنصر الإضمحلال السّابق الذّكر، مع عنصر السّبق و المفاجأة التّامّة خلال الثّورة التّونسيّة. فلم يكن لحركة النّهضة وجود أو مساهمة تنظيميّة رغم دعم قياداتها المهجّرة للإحتجاجات و مشاركة عناصرها و طيف من الإسلاميّين عموما في مجريات الثّورة. و لملمت الحركة على عجل ما تيسّر من أبنائها و راهنت على النّهج التّأسيسيّ. و كان لها، و ربّما عليها، أن شاءت الجماهير التّونسيّة أن تقود النّهضة مسار التّأسيس. كما يضاف إلى ذلك طبيعة الوضع الثّوريّ التّونسيّ[4] و ضعف حدّته و قصر مدّته مقارنة بالثّورات الأخرى.
و خلال ذلك كلّه و إلى الآن يتجلّى الإختلاف الكبير بين النّهضة و بقيّة الإخوان. لم تتمكّن الحركة أن تتجاوز شعارات الثّورة التّى تزدان بها برامجها إلى جهة تبنّيها منهاج عمل و إستراتيجيّة لحركة ثوريّة. فالحكومة الإئتلافيّة بقيادة النّهضة كانت و لا تزال تجنح إلى إتّباع السّبل التوافقيّة و العاديّة في تتبّعها لفلول لنّظام  السّابق. كما كانت تحويراتها، خصوصا الأمنيّة منها[5]، تكتسي طابعا ترقيعيّا إصلاحيّا لا قاطعا و ثوريّا. كما أنّ جماهير الحركة لا تزال غير مفعّلة و معبّأة لتحقيق أيّ مطلب ثوريّ يستلزم دعما شعبيّا. و بهذا المقياس، شأنها شأن جلّ الطّبقة السّياسيّة التونسيّة[6]، تبقى حركة النّهضة بجلباب الحركة الإصلاحيّة و لم تتجاوز تلك المرحلة إلى تبنيّ الإستراتيجيّات الثّوريّة كما بقيّة الإخوان.
و يتمظهر التّخلّف الإخوانيّ التّونسيّ عن ركب التحوّلات الثّوريّة الدّاخليّة لبقيّة الإخوان في تمظهرات عدّة، أحصي منها: ضعف الزّخم الثّوريّ الشّعبيّ و انحصاره مؤخّرا،او بالأحرى على الأقلّ و أخيرا، في رابطات حماية الثّورة التّي لا يتوافق حولها الطّيف السّياسيّ. واتّباع المسار القضائي و القانوني العاديّ لمحاسبة بقايا نظام بن علي على خلاف القرارات الثّوريّة لمرسي من قبيل قانون حماية الثّورة[7] الذّي أصدرته رآسة مصر. كما تظلّ تداعيات خسارة معركتي الإعلام و القضاء، النّاتجمتين أساسا عن تخوّف زائد من جيوب الردّة المتمترسة بهما، تكبّل مسار الإنتقال الثّوريّ و العدالة.
لا شكّ أنّ الأيّام المقبلة من عمر الثّورة التّونسيّة ستكون حبلى بالأحداث المتسارعة. و ازدياد المخاطر و التّهديد الرّجعيّ من قوى الردّة يفرض على حركة النّهضة مراجعة نهجها الحركيّ[8] و الإقتداء بالجديّة و الحسم الذّي تطوّر لدى أسلافها من حركات إخوانيّة خصوصا الإخوان المسلمون بمصر. 




Thursday, October 11, 2012

تسريبات فيديو الغنّوشي: أخيرا تنكشف الحقيقة


حظي الفيديو المرفق أعلاه باهتمام إعلاميّ منقطع النّظير. و قبل تناول المحتوى فقد أردت أن أعرّج بالقارئ على ظاهرة سياسيّة فريدة في تونس. فالقوى السّياسيّة المعارضة، لم تعي جيّدا أنّ نشر أيّ فيديو لشخصيّة إسلاميّة محوريّة لا يصبّ في مصلحتها الإنتخابيّة. و كما كان الأمر قبيل الإنتخابات السّابقة، فمرّة أخرى تجد النّهضة سبيلها إلى شاشات و ألسن مقترعين محتملين على ظهور المعارضة. أمّا حول صحّة الفيديو من عدمه، و بعد الإطّلاع على ما قدّم على أنّه الفيديو الكامل من طرف المتهّمين، فإنّي أرى صحّته. أؤخّر إحتمال التّزوير لا لإعتبارات تقنيّة بل لأنّ المحتوى الموضوعيّ نفسه لا يشذّ عن المتعارف عليه. 
أمّا حول المحتوى، فهب أن كان الغنّوشي صرّح بأنّ الجيش و الشّرطة و الإدارة علمانيّة و رجعيّة و لا ثوريّة. فأين مكمن العجب و ماهو السّر الذّي كان مطمورا و برز؟ 
في الحقيقة، قول النّهضة أنّ "أقليّات" في أجهزة الدّولة هي فقط المعادية للثّورة هو ما يمكن الطّعن فيه. فيمكن لنا تنزيله منزل المهادنة السّياسيّة و المراعات المرحليّة إن أردنا. لكنّ الواقع يبقى كما هو: أغلب المؤسّسات و خصوصا العاملين فيها من الإطارات السّامية هم من رجالات النّظام السّابق. و تحصين الثّورة ضدّ القوى الرّجعيّة داخل الجيش و الشّرطة و الإدارة واجب شرعيّ بل هو حتميّ لنجاح الثّورة من عدمه. 
أمّا حول الطّبيعة العلمانيّة للنّخب المتنفّذة: إنّ هذا المر مفروغ منه. بن على لم يكن إسلاميّا و لم يستخدم الإسلاميّين و يعطهم المناصب الإداريّة و الإعلاميّة. و هو معلوم لمن أراد أن يتبصّر أن بن على إستخدم نخبا إستئصاليّة يساريّة لتحقيق برامجه الثّقافيّة و التعليميّة و الإعلاميّة. لكنّ هذا ليس شهادة خيانة على كلّ العلمانيّين أو اليساريّين. فليس كلّ من ينتمي لفكر سائد ظالم بظالم كفرد في حدّ ذاته. 
إنّ التعجّب من حقائق ثوريّة بديهيّة كهذه مثير للرّيبة من طرف المشكّكين. كما أتنفّس الصّعداء لأنّ هذا الفيديو كشف أنّ بعضا من النّخب الحاكمة على علم بالتّوازنات الثّوريّة. أي أنّ النّهضة على الأقلّ تعي أنّ أعداء الثّورة متنفّذون هذا الوعي أقلّ الإيمان و يفنّد الشّائعات حول تحالف لها مع التجمعيّين. 

Thursday, September 27, 2012

أخبار السّياسة في بلاد بلا عسّاسة


يبدو أنّ الحاجز بين حريّة التّعبير و التّضليل لم يعد واضحا لدينا. مجتمعنا إستكان بعضا من الدّهر إلى الكذب الممنهج المنظّم. ثمّ تأتي الثّورة. و لكن لا ثوّار كثر بالإعلام.
شخصيّا، عندما أطالع الجرائد أو النتّ يصيبني الهلع و أحيانا الفرح الشّديد بآبار بترول ستأخذنا جميعا إلى عهد الرقيّ و الغناء الأبديّ .فأيّام شعبنا ذي ال10 ملايين حبلى بما جلّ و عظم من الأحداث أو هي أخصب من بقيّة الأمم.
 مدينتي بنزرت، دخلت في فترة وجيزة خلال صائفة 2012 إلى مضمار "الأحداث الوطنيّة" بعد غياب طويل. و أعترف أنّ الإثارة إعترتني و كنت قد طمعت أن أرى بأمّ عيني الإمارات الإسلاميّة و مظاهرات إسقاط الحكومة الأسبوعيّة. و لكن هيهاة، الكلّ واصل النّوم الرّمضانيّ المقدّس و المسامرات الخفيفة المسرّة. نعم، واصل بعض صائمي النّهار تجديفهم اللّيليّ و لم يكن لأنصار الشّريعة عليهم من صولة. أهي بنزرت العصيّة على الجديّة المبالغة أو النّشاط المتعب لأبنائها و بناتها و المشطّ في حقّ أناقتها الأزليّة؟ أو عساها تكون فقّاعة إعلاميّة. لا. حاشا إسهالنا الإعلاميّ أن يكون من الدّناءة بحيث يتجاوز إعلاميّ حدود الموضوعيّة بحثا عن الحشو الدّراميّ.
أمّا الفايسبوك فقد إنتقل من صفوف أدواة التحرّر و النّضال. إنتقل إلى ساحة للمتخفّين وراء اللّوحات في الغرف المظلمة. و يبدو أنّ غياب الأمل و النّشاط الحقيقيّ يحدو بالبعض بأن يكون سهاد لياليهم الفايسبوكيّة معبّءا بالغثّ و السّمين من أخبار زائفة...
 ما هو الزّيف و التّزوير على كلّ حال؟ أليست الحبكة و الخصائص المسرحيّة أهمّ ما نبحث عنه في أخبارنا السّياسيّة؟ 
لا أتّهم الكلّ و لكن الجلّ.
 أخي و أختي، تثبّت ممّا تنشره و لا تكن مطيّة لشيطان لئيم ذي حاسوب، ساخط على الدّنيا لأنّه فاشل و ساهر وحده أمام شاشة عقيمة. 







Tuesday, September 25, 2012

تونس و الجنس و القطيعة


لا يسعك أن تهرب، في المترو و الملعب و حتّى في المدرسة. إن كنت تونسيّا فلن يكون لك ملاذ من العبارات النّابيّة ذات الطّابع الجنسيّ. يبدو أنّ إستعمال الألفاظ المستوحات من المعجم الجنسيّ بشقّيه الفصيح و الدّارج أصبح من ثوابت اللّغة اليّوميّة للتّونسيّين، و ذلك سواءا إستعمالا أو إستماعا في أقلّ الأحوال. 
أمّا المفارقة العجيبة عندنا فهو إنعدام البحث و التبصّر أو ببساطة الكلام حول الكلام "الدّنيء". الجامعات تنتشر كالفقّاعات في كلّ المدن التّونسيّة و معها القنوات التّلفزيّة و لكنّ المحيط "العموميّ" يتحدّث لغة تخلو من هذا الجزئ المحوريّ من لغتنا المتكلّمة، نصطلح عزيزي القارئ على تسميتها بالعبارات الجنسيّة. لست بداع لنشر الكلام الجنسيّ حتّى يغزو المساحات العموميّة كذلك، لا. بل أردت أن أتفكّر في معنى هذا الإعراض في حدّ ذاته و ما يفضح من خبايا شخصيّتنا الوطنيّة. سأحاول كذلك أن أتعدّى البحث في "الإعراض" في حدّ ذاته إلى طبيعة هذه اللّغة الجنسيّة التّونسيّة و ما تعنيه هذه الطّبيعة في سياق فهمنا لأنفسنا.
إنّ التّونسيّين، رغم غزارة إستعمالهم للألفاظ الجنسيّة، إلّا أنّهم يستعملون لغة مختلفة تماما في ظروف معيّنة. فنفس الشّخص الفضّ و الجنسيّ لغويّا أثناء مباراة كرة القدم تجده يتخلّى كلّيا عن لغته تلك لمّا يقابل والديه. أو الفرق بين كلام التّلاميذ مع بعضهم حينا و مع المربّي الحين الآخر... أمثلة كثيرة توجد لهذا الإزدواج اللّغويّ العجيب. يبدو أنّ التّونسيّ طوّر قدرة لغويّة نادرة: القدرة على إستعمال مجال لغويّ و مفرداتيّ مختلف راديكاليّا بين لحضة و أخرى. لا يمكني إلّا أن أجزم بأنّ هذا الإنفصام اللّغويّ المزمن يفضح في الحقيقة إنفصاما بنيويّا أعمق. صحيح أنّ جلّ أصحاب اللّغات المختلفة يعتمدون ألفاضا مختلفة لدى التحدّث "للعموم" او للخواص. لكنّ لغة التّونسيّ لا تتحوّر بها فقط بضع ألفاض بل هي جمل كاملة و تعابير محوريّة تستند على ألفاض جنسيّة تختفي تماما و تترك المجال إلى معجم تركيبيّ و لفضيّ جديد.
 فهذا الإختلاف في اللّغة المستعملة، و بهذه الرّاديكاليّة، يؤدّي بنا إلى إستنتاجين لم أجد لهما ثالثا. الأوّل يظهر فردا مهتزّا بين ممارستين مختلفين. فالتحدّث إلى من يجب إحترامهم بالطّريقة 'العاديّة" يعني إقرارا بأنّ اللّغة السّائدة خلال بقيّة الوقت وزر و سوء. في هذه الحالة فنحن أمام حالة من الإقرار بدناءة فعل ما و ممارسته مع ذلك باطّراد. أمّا الحالة الثّانية و هي المستبعدة عندي، فهيّ إعتبار التحدّث باحترام مجرّد إذعان واستجابة قائمة على الخوف لا على الإقتناع. أي أنّنا نكون بمواجهة فرد خائف و مزيّف كلّما تكلّم باحترام. أمّا كمجموعة نتغاضى كما بيّنت عن وجود اللّغة الجنسيّة و كأنّ ذلك ينقص من أثرها...
أمّا الأهمّ فهو دلالات هذه الألفاض.فهي في غالبها تستعمل للسّباب: فالمستعمل لهكذا لغة ينظر إلى الجنس بعين دونيّة من حيث لا يدري. تفضح طبيعة هذه الألفاض واستعمالاتها قطيعة ثقافتنا الحاسمة مع الجنس و توجّسها منه.  فالجنس عندنا مرتبط بالتّعنيف و قلّة الأدب.أهو الإسلام يفرض هذا الإبتعاد و تحاشي التّعاطي في المسلائل الجنسيّة؟ إن صحّ ذلك فكيف لنا أن نفسّر فيض الأشعار الجنسيّة لا بل الماجنة في عزّ و قوّة الخلافات الإسلاميّة؟  يبدو أنّ الأقدمين من المسلمين كانوا أكثر أريحيّة منّا في تناولهم لهكذا مواضيع فوضعوا لها الكتب و نظموا حولها الأشعار. أمّا الملفت للنّظر فهو إمتداد هذا الحريّة في التّعبير الجنسيّ، حتّى تشمل ممارسات جنسيّة لا إسلاميّة بالمعنى القانونيّ الشّرعيّ للكلمة كشذود أبي نواس المزعوم و مجون بشّار بن برد...
أمّا الآن فالجزئ العضيم و المحوريّ من حياة الآدميّ ككائن حيّ لا يجد طريقه حتّى إلى مناهجنا الدّراسيّة. و إن أضفنا إلى ذلك إستحالة تناول الموضوع أسريّا (من أسباب ذلك غياب الحاضن اللّغويّ أو تشويهه كما أشرت قبلا) فأين ترانا ندفع بشبابنا ليتعلّموا الجنس. إلى الشّارع أوّلا حيث الجنس مرتبط بالدّنائة. و إن تبقّى للفرد بعض من القابليّة للتعلّم فلا شكّ أن تجهش عليه المواقع الإلكترونيّة البورنوغرافيّة. في المحصّلة، غياب الوعاء المناسب للتّربيّة الجنسيّة يؤدّي فقط إلى تربية خاطئة لا غير. أي سواء كانت لنا برامج للتّوعية الجنسيّة أو لم تكن فتكوّن وعي جنسيّ ما حاصل لمحالة. و لا أرى عاقلا يعتقد أنّ ترك الحابل على النّابل أسلم و أكثر منفعة.
أمّا الآن و قد أنعم علينا اللّه و زال الإستعباد أو هو يكاد، أما حان الأوان أن نخاطب أمراضنا الإجتماعيّة و على رأسها غياب الفهم للجنس؟ لا أشكّ في ذلك. إنّ التّربية الجنسيّة أمر حتميّ لتربية شباب متّزن وواع. ولتكن أولى الأوليّات خلال تحيين المناهج التربويّة و الفلسفة البيداغوجيّة التوّنسيّة تظمين دروس حول الحياة الجنسيّة. أمّا درس التّربيّة الإسلاميّة فلا بدّ أن يتضمّن محورا حول الجنس من زاوية إسلاميّة حتّى يتمّ التّصالح معه. إنّ هذه الإصلاحات التّربويّة واجبة من أجل خلق وعي جنسيّ سليم و لدرئ آفاة العداء للجنس و البورنوغرافيّة المفرطة و غيرها من الأمراض الجنسيّة. و لكن لا يمكن للمسار أن يتوقّف عند فصول المدارس. بل يجب على الأئمّة و العلماء و الفقهاء أن يقوموا بدورهم التوعويّ و أن يكونوا رأس حربة الإصلاح الجنسيّ إن صحّ القول. 
إنّ عداءنا كمجتمع تجاه الجنس لا يعدو كونه وجه من وجوه تحريم ما حلّل اللّه أو يدنو، عسى اللّه ألّا يجعلنا ممّن تتحدّث عنهم الآية الكريمة:  لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) المائدة 87 
لا أشكّ أنّ قرونا من الإنحطاط و سيطرة الفكر الأوروبيّ المسيحيّ المعادي للجنس في بعض أبعاده تجعل المهمّة صعبة و الطّريق شاقّة. لكنّها الثّورة نريدها أن تقتلع جذور فسادنا مهما عرّانا ذلك لأنفسنا و أبان لنا سوءاتنا. فلنلبسها رداء الثّورة و المعروف و العلم واللّه المستعان. 
محمّد فراس العرفاوي
article as featured on nawaat.org

Tuesday, September 11, 2012

طبقتنا السّياسيّة: فائتة الصّلوحيّة



كثيرا ما ننسى، أو نتناسى، أنّ ما نعيشه اليوم رائع حقّا. تبارز و تدافع يصل حتّى للتّنابز و العراك. الكلّ يتكلّم بحريّة و وزراء يستقيلون كلّ أسبوع و جرائد و مواقع إخباريّة بالجملة تروّج الغثّ و السّمين ألسنتها مطلقة تنويرا للشّعب أحيانا و بثّا للفرقة و الإشاعات أحيانا أخرى.
كلّ ذلك الإختلاف و تلك الألوان أمر رائع حقّا. و لكن لا يسعنا، و جنود الردّة التجمّعيون يتربّصون بنا، أن نركن لتأمّل المشهد برومنسيّة، فليست كلّ اللّوحة إبداعا و ليس كلّ إختلافاتها جمالا.
لا يغترّن غرور أو مغرّر به أنّي بصدد نصب مجانيق التّجريح بفريق الحكم أو بفريق معارض. فذلك ما تدأب عليه الأبواق الإعلاميّة للقوى الرّجعيّة من سخريّة و قدح غرضهما زلزلة هيبة الثّورة و مفرزاتها. بل إنّ ما سيتلو أريد له تناول واقع أعمّ يحتوى كلتا الفريقين، الحاكم و المعارض: واقع الطّبقة السّياسيّة التّونسيّة عموما. كما أنّي لن أكون عدميّا و هدّاما بقدحي في شأنها، فلا يمكننا أن ننسى أنّ طبقتنا السّياسيّة أو فلنقل جلّها مرآة لنا كمجتمع و نتاج عضوّي لحراكنا المجتمعيّ و الثّقافيّ.
تشهد السّاحة السّياسيّة التّونسيّة حوارا مستعرا حول الأصول كطبيعة الدّولة و نوع الحكم فيها و تخترق الإختلافات التّحلفات الحزبيّة بما فيه ثلاثيّ الحكم. كما يحمى النّقاش حول التّفاصيل والفروع من إنقطاع للكهرباء و حوادث هنا و هناك يراد منها أحيانا التّشويش على الحوار في الأصول و تدعيم الضّبابيّة و التّشكيك في المسار التّأسيسيّ برمّته. لكنّ الغائب الأكبر عن هذه النّقاشات التّي يقبل الإعلام بنهم كبير على تغطيتها، هو التّجديد و المقترحات الخلّاقة و الإستنباط و الثّوريّة عموما. فجلّ التّيارات السّياسيّة المتناحرة تستند على أطروحات أيديولوجيّة كلاسيكيّة و تقليديّة موغلة في السّلفيّة بشقّيها اليمينيّ و اليساريّ. و رحى الحديث لم تدر حول النّمط و الأطروحة السّياسيّة الجديدة التّي تولّدها "الثّوريّة" التونسيّة.
فلنأخذ مثالين على هذه النمطيّة حركة النّهضة من فريق الحكم و حزب العمّال (الشّيوعي) التّونسي من فريق المعارضة. فالنّهضة هي الوريث و القائم بالفكر الإخوانيّ الإسلاميّ إلى حدّ بعيد بتونس. و هي في صلبها إجابة لمشاكل دولة الإستقلال. تتوجّه خصوصا لعلاج التّغريب القسريّ و لها نفس إصلاحيّ سلميّ أكثر منه ثوريّ. أمّا العمّال (الشّيوعيّ) فهو معتنق لفكر و فلسفة أوروبيّة المنشأ و مجيبة على مشاكل معيّنة متعلّقة بإفرازات النّظام الرّأسماليّ (النظريّة لا تجيب حتّى على مشاكل الرّأسماليّة الحديثة). و لا يتمتّع بأيّ مقوّمات ثورريّة حقيقة من قبيل صغر حجمه و إنعدام تجذّره شعبيّا. بعد الثّورة، نجد أنّ كليهما لا يزال في صلبه محافضا على قوالبه و معتقداته. و لم يكن للثّورة أن تغيّر ما بهما أو أن تطوّعهما. فروح خطابيهما لا يتعلّق برسم خارطة جديدة على لوح أبيض،لوح الثّورة، فلا التّونسيّون اليوم مجبرون على التّغريب و لا على إتّباع النّمط الرّأسمالي رأسا. لكنّ و كما يقول المثل: من شبّ على شيئ، شاب عليه: فليس لنا أن نطلب من حزبين لم يكن لهما يوما ما مشروع جديّ لقلب الحكم، أن يكون لهما بديل للنّظام.
 لا أسوق كلامي هذا تجريحا بهما، فهذا الواقع ليس مسؤوليّة طرف محدّد. بل هو نتاج لتظافر عوامل كبرى كتاريخ تونس الحديث و طابع الشّعب التّونسيّ و طريقة تعامله مع مفرزات الثّورة و فوق هذا و ذاك قصر فترة الثّورة و الهروب "السّهل" نسبيّا للمخلوع. هذا الهروب و إن كان محمودا في غالب مفرزاته، لم يترك مجالا للحراك حتّى يشتدّ عوده و يتنظّم و تبرز له قيادة واضحة. المثال المصريّ نموذجيّ في هذا المجال حيث لم يترك الثوّار السّاحات بعد الإطاحة بمبارك. بل شهدت مصر تواصلا للثّورة تكلّل برئيس منتخب لا يتمتّع فقط بشرعيّة الإنتخابات بل كذلك كحامل للواء الثّورة المصريّة و قائد لها. لهذا نرى الرّئيس المصريّ قادرا على التحرّك بثوريّة و على تصفية قوى الردّة (العسكر، إعلام مبارك،الخلايا الإجراميّة العنيفة...) مباشرة و من دون مواراة. كما كانت فكرة "ديوان المظالم"[1] شبه مثاليّة لتلافي إستغلال الردّة للمطلبيّة لتأخير و تعطيل ركب الثّورة كما نعاني في تونس.
لقائل أن يستنكر: "يالك من عدميّ، تنسف الطّبقة السّياسيّة في صلبها ثمّ تنبري تحدّثنا أنّ ذلك عمل المرتدّين فقط." و لي إذا أن أدافع بأنّ التّسارع الكبير للأحداث لا يسمح لنا بالتّوقّف هنيهة للتبصّر في القواعد الكبرى للّعبة السّياسيّة ببلادنا. و أنا لا أنفي بأيّة حال أحقيّة المسار بل على النّقيض فإنّني أدعم شرعيّته (بشقّيه موالات و معارضة) و أشعر حقيقة بأنّني "ممثّل" بالسّلطة العليا بالبلاد و هي المجلس التّأسيسيّ سيّد نفسه بتفويض من الجماهير.
إنّي أريد من كلامي الحثّ و ربّما التّحضير للإنبعاث الحقيقيّ و الثّورة الثّانية لهذا الشّعب. ثورة للأخلاق[2] أوّلا و من ثمّ ثورة للإبداع و الفنّ و العمل الصّادق المجزي. كلّ هذا لم يتحقّق بعد و أشكّ أن يتحقّق كليّا في ضلّ جيل حاكم و جيل شاب ترعرعا في أحضان الدّكتاتوريّة. لكن ليس لذلك أن يثنينا عن الجهاد من أجل أن ننعتق من القوالب الدّيماغوجيّة التّي حكمت آباءنا و غرست فينا.

"وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" الأنبياء:51-54
 

Thursday, July 26, 2012

تونس: أخلاقنا إلى أين؟


إنّ الأخلاق ليست لفظة جوفاء أو رمزا لبضع حركات ميكانيكيّة من إحترام رزمة من الضّوابط السّلوكيّة السّطحيّة. بل الأخلاق علم واسع متعدّد الفروع و كتب فيه و سال عليه كثير من الحبر. و لا غرو في أهميّته و هو المنوط به إيجات الآليّات المنطقيّة المحدّدة للخطأ من الصّواب و فرز السيّء من الجيّد. فإدراجنا لتّوصيف اللّغويّ "حسن" أو "سيّء" على فعل أو سحبها على فاعل أو فكرة ليس وليد لحظة متسرّعة و إنّما هو من حيث نشعر و لا نشعر مستوجب لنظريّات تحكمه و خاضع لتراكمات تاريخيّة و ثيولوجيّة طويلة.
و رغم أنّ أغلب "الأخلاق" غير مدوّنة أو مكتوبة و لا يرجع إلى مراجعها عند إتّخاذ جلّ القرارات إلّا أنّه الضّابط الحقيقيّ و الفعليّ للتّعاملات اليوميّة في شكل قواعد ضمنيّة متعارف عليها. فالنّسيج الأخلاقيّ هو الحاجز و الضّمان من الإنزلاق في الرّيبة المستفحلة و فقدان الثّقة بالمحيطين و بالتّالي الفوضى.
لا يمكن لقانون أو سلطة إذا أن تصلح من شأن طبيعة و جودة حياة مجموعة بشريّة بدون توفّر النّسيج الأخلاقيّ الحيويّ كداعم. فلا يمكن إيجاد آليّة يكون بموجبها لكلّ بائع و موضّف و مسؤول حارس يتثبّت من أفعاله. فالكلام البذيء في الشّاع و معاكسة البنات و التحرّش و الغشّ في الأسواق كلّها أمور لا يد لأيّ حكومة عليها في كلّ الأوقات سواء كانت ديمقراطيّة أو ديكتاتوريّة.
و لعلّنا نتّفق الآن على أنّ البلية و الإهتراء أصابا البنيان القيميّ و الميزان الأخلاقيّ لشعبنا التّونسيّ وأنّ التثبّت من ذلك لا يستلزم سوى إطلالة صغيرة على أيّ شارع مكتضّ.
من الأمثلة الكثيرة على هذا التفسّخ غياب الأمن و الإحساس به و الرّيبة المستمّرة و وجوب الحيطة المتواصلة. كما أنّ عدم القدرة على الثّقة بالآخر تجد رافدها في إستفحال الكذب و عدم القدرة على تبيّن الحقيقة من البهتان. ويصل الكذب كظاهرة إلى قطاع الإعلام، واجهة الشّعب و نافذته، الذّي لا يفتأ يطالعنا بأخبار زائفة و فظائح تزوير. كما صارت بعض الفضائيّات نوافذ مفتوحة على الرّذيلة و السّوء و بابا للتّطبيع مع مشاهد كان التّونسيّ يستهجنها بالماضي القريب. و أمّا عن الفضائ الإلكتروني و فوضاه العارمة وإشاعاته المغرضة فحدّث و لا حرج.
كما تصعد كنتيجة للتفسّخ الأخلاقي صورة البطل التّونسيّ كشخص قادر على غشّ غيره و تحصيل مكاسبه بكلّ الوسائل سواء السويّة أو الملتوية  و يطلق عليه لفظ "المهفّ" و يحتفي به المجتمع كشخص قادر و ذكيّ في قلب للصّورة المنطقيّة من وجوب إدانة السّلوكيّات الملتوية.
تغلغل أسلوب الغشّ في كلّ طبقات المجتمع و لم تسلم من النّخب بل كانت سبّاقة في ريادة مسار المغالطة و التفسّخ. و الدّليل على أنّ المرض يتجاوز أساليب الدّكتاتوريّة إلى كونه ظاهرة عامّة و شاملة، يكمن في المجلس التّأسيسي المناط به التّأسيس لنقيض الدّكتاتويّة و الإستبداد. فطالعتنا الصّفحات الإلكترونيّة بنوّاب بالمجلس و هم يقومون بالتّصويت خلسة مزوّرين للأصوات في ضلّ غياب زملائهم. و هذه الحادثة شديدة الرّمزيّة حيث تتعلّق بالحقيقة بمحاولة لتزوير إرادة شعب بأكمله واستسهال غشّه بكبسة زرّ من طرف نائب غشّاش. أمّا الأنكى من ذلك فهو مرور الحادثة مرور الكرام و عدم إتّخاذ أيّ إجراء عقابيّ يليق و حجم الجرم المقترف و تجاهل المسألة و ترك المهمّة لعامل الوقت لتمييعها و وضعها طيّ النّسيان.
أدّت 50 سنة من التّغريب الحضاريّ القسريّ و من التّيه و تغييب الثّوابت الإجتماعيّة إلى نسف و تقطيع أساس و خيط النّسيج الأخلاقي بتونس و هو الإسلام بلا منازع. فسبب تفشّي الفساد الخلاقي و التّطبيع معه هو تلك القطيعة المصطنعة و البتر القسريّ لمسار وجوبيّ من التطوّر الطبيعيّ للأخلاق بتونس. فالحقيقة أنّ الأخلاق في وطننا متماهية حدّ التمازج مع الإسلام. فكان تجفيف و قطع الجذر الإسلاميّ بمثابة حكم بالإعدام على فرعه و غصنه الطبيعيّ أي الأخلاق. و تمّت محاولة لزرع أخلاقيّات و أنماط عيش فرنسيّة بالأساس و أدّى فشل هذه المحاولة إلى نمط مجتمعيّ مشوّه لا هو فرنسيّ و لا هو إسلاميّ أصيل.
كما كان التّعليم غائبا، و لا يزال، عن دوره الأساسيّ في المساهمة في التّربية. بل و نجد المحيط المدرسيّ في أحيان كثيرة في نشر الإفساد و قتل بذور الخير و التميّز. و كأن لفظ المؤسّسة التّربويّة لم يتجاوز يافطات المدارس و الشّعارات الحكوميّة. بل نجد الإطار التربويّ نفسه غير مؤهّل في حالات عديدة لتّعامل مع التلاميذ و تتوالى الفضائح و أقلّه غياب الإحترام و حوادث الإعتداء المتبادل بين الإطار التربويّ و التّلاميذ الذّي يصل في أحيان كثيرة إلى العنف.  
بالتّالي و ،بما أنّه لا يمكن لمسيرة التقدّم بتونس أن تنجح فاقدة للإطار الأخلاقيّ الحاضن، وجب علينا كمجتمع التفكّر بطرق لإعادة غرس و تعهّد البنيان القيميّ التونسيّ. و يبدو أن أهمّ ثلاث محور لهذا الإصلاح ستكون الإعلام و الدّين و التّعليم:
أمّا الإعلام فيجب ترشيد الوسائل الإعلاميّة العموميّة و إيجاد البديل الهادف و مخاطبة عقول التّونسيّين بدلا عن غرائزهم. و يجب إرجاع الهيبة و الدّور المحوريّ للإسلام كمشكّل رئيسيّ للأعراف و الضّوابط الإجتماعيّة من خلال دعوة المسلمين و تعريفهم أكثر حول مبدئ الحلال و الحرام و تفقيههم فيما يصلح شأن دنياهم قبل آخرتهم. هذان المجهودان يجب أن يترافقا مع إرساء تعليم مبدئيّ تكون للعلوم الإنسانيّة به مكانة و قيمة لتمكين النّشئ من الأدوات المنطقيّة اللّازمة لتحديد الخطئ من الصّواب.   
"إنّما الأمم الأخلاق".  
رابط المقال كما نشر على موقع نواة

Friday, July 20, 2012

النّهضة و تكرّر الخطأ التّاريخيّ




"لا يلدغ المؤمن من الجحر مرّتين"
إنّ إستمراريّة الحركات و التنظيمات البشريّة عموما من حيث دورة حياتها محكومة بضوابط طبيعيّة كما هي سائر الكائنات. فكلّ ما برح طور النّماء فهو بالضّرورة والج لأحد أطوار الأفول. و إنّ عنفوان و شباب الحركات لا يقاس بمقدار من شيب أو من سواد في شعور زعمائها و إنّما بقدرتها على تقصّي أوجه المرض و النّقصان في بنيانها و من ثمّ معالجتها. و تجدر الإشارة هنا إلى أنّ كلتا الفعلين مقترنان ببعضهما إقترانا وثيقا: فقدرة المجموعة على التّقصي العميق لمكامن النّقص تحذو حذو القذّة بالقذّة مع قدرتها على جبر مواطن الضّرر بعد ذلك. أي قدرتها على أن لا تلدغ من نفس الجحر مرّتين بعد أن كانت قد حدّدت مصدر اللّدغة إن سمح الـتّعبير.
و بعد معرض حديثنا حول هذه المبادئ العامّة و القواعد الكليّة، أردت أن ألج بالقارئ في صلب مبحثنا، و هو و كما ينبئ العنوان حول "حزب حركة النّهضة".
أطلّ علينا مؤتمر النّهضة، و الذّي إنعقد مؤخّرّا[1]، في حلّة الهديّة الأخرى و الثّمرة الجديدة من ثمار الثّورة. فالمؤتمر العاديّ و العلنيّ الأوّل للحركة المرشّحة لتبوّئ مكان معتبر إن لم نقل قياديّ على الخارطة السّياسيّة التّونسيّة لزمن معتبر حسب كلّ التّقديرات، يعدّ محرارا للنّضج السّياسيّ في تونس.
أمّا بعد هذا الكلام و نحوه كثير و لا داعي للإطناب حول مناقب المؤتمر و رمزيّته و الإحتفاء به و هو ما تمّ تناوله من طرف ألسنة و أقلام عديدة خصوصا على أعمدة الجرائد القريبة من الإسلاميّين و على رأسها  جريدة الفجر النّاطقة باسم النّهضة. و لكن المفيد و النّافع هو الحديث الآن حول مآخذنا على المنحى العّام للمؤتمر. فللأسف الشّديد، و لكن كما كنت أتوقّع، تجاهل المؤتمر أو بالأحرى أكّد على نهج تناسي الأمر الأعظم أهميّة و الذّي كان يفترض أنّ نقاشه هو الأولويّة القصوى:
ما هو الخطئ و السّبب من داخل الحركة نفسها الذّي مكّن بن علي فعليّا من هزيمة النّهضة و قصم ظهرها و نفيها من التّواجد على السّاحة العامّة. كلّ ذلك فعله بن علي رغم أفواج الأسرى و الشّهداء و مواكب التّضحيات إلى حدّ أن جيلي (أي ما كان يسمّى بجيل بن علي و المتراوحة سنّه بين ال18 و ال22) لم يكن يعرف حتّى بوجود الحركة أو كلمة النّهضة رأسا. و من أصابه بعض من علم فكانت كلمة """"""""""""""""''خوانجيّة" أقصى ما بلغه  وتناهى إليه. إلّا من رحم ربّي أو إبتلاه بهذه المعرفة في عهد بن علي حسب الحالات.
إنّ مكمن الوهن الذّي أدّى إلى هذا الإنهيار هو الجدير بالبحث في حقيقة الأمر. فلا يغرّن الإسلاميّين إستتباب الأمر لهم حينا وردهة من الزّمن. فقد إستتبت لغيرهم من قبل حتّى أغرتهم ببناء القصور كأنّهم فيها خالدون. ماذا لو عادت الدّكتاتوريّة في شكل إنقلاب أو إحتلال أو أيّ شكل من ألاعيب عاديات الزّمن القاهرات؟ ماذا جهّزت الحركة حتّى تكون من الصّلابة و القّوة بمكان حتّى لا يسهل على معتد تذويبها و نفيها كما حدث من قبل؟ إنّ المؤمن و الإنسان اللّبق لا يترك أسباب وهنه و ضعفه بدون تعهّد و عمل لمجرّد تغيّر خارج عن تأثيره و يمكن أن يكون ضرفيّا.
و حتّى لا أكون كالدّاعي للشّيء والتّارك له من بعد ذلك، فسأطرح أحد أهمّ هذه الأخطائ و رأسها حسب رأيي: إنّ إختيار الحركة بالإنغماس كلّية بالعمل السّياسيّ[2] و تغليب الصّفة الحزبيّة على الحركيّة و تغييب الرّافد الدّعوي و الإجتماعيّ هو من أبرز أسباب الضّعف الذّي مكّن بن علي ممّا توّصّل له في معركته مع الحركة. 

فل يكن مثالنا الإخوان المسلمين في مصر: و هم كننظرائهم التّونسيّين لا يعتمدون العنف وسيلة لنشر فكرتهم. و كان بالمرصاد لهم أنكى و أقوى من نظرائهم التّونسيّين ممثّلا في نظام عسكريّ معبّئ أيديولوجيّا و لكّنه لم يتمكّن من إزالتهم. لم يكن للنّظام المصري أن يتغلّب على الإخوان المسلمين لأنّهم كجماعة إنخرطوا في المجتمع و كانوا جزئا أساسيّا من نسيجه و لم يقصروا وجودهم و جهودهم على أمر السّياسة مهملين أمورا أخرى. بل كانوا كأيّ مستثمر لبق منوّعين لجهودهم في باقات مختلفة قادرة على جذب أطياف متباينة الإهتمامات و القدرات و متّفقة في الفهم التّطبيقيّ المعاصر للإسلام. هكذا، و بهذا التّنويع في النّشاطات ضمنت الجماعة بعض غوائل الدّهر و أمنت تقلّب جانبه فكانت جاهزة بعد الثّورة لإضافة جهاز سياسيّ، حزب الحريّة و العدالة، كمجرّد أداة أخرى في سبيل خدمة المشروع لا كمقيّد له أو محدّد لأفقه.
إنّ السّاحة التّونسيّة و صفوف الإسلاميّين الدّاعمين للنّهضة تعجّ بمؤمنين بالإسلام كدين قادر على تقويم الحياة و تصويبها. و لكّن قدراتهم و آمالهم و رغباتهم لا تتناسب مع العمل السّياسيّ بحدوده و ضوابطه المكبّلة. إنّ الحركة يجب أنّ تفكّر جديّا في طريقة لتصريف كلّ تلك المجهودات و القدرات بطريقة تخدم المشروع الإسلاميّ التقدميّ. أدعو الحركة إلى خلق جسم فوقيّ و منفصل ربّما يكون إسمه حركة النّهضة (بدون لفظ حزب) يكون حركة بامتياز و أكبر من الحزبيّة والسّياسة. أو إن وجدت قدرا أكبر من الشّجاعة و لا أضنّ ذلك عليها بعزيز، فلماذا لا تعود إلى الإسم الرّائع "حركة الإتّجاه الإسلامي"  و تكون حركة دعويّة خيريّة إجتماعيّة و تكون السّياسة مجرّد فرع للعمل الإسلاميّ.

Wednesday, July 18, 2012

مهرجان بنزرت2012:فشل ذريع متواصل

جانب من الجمهور في حفل مرسال خليفة

أريد بادئ الأمر أن أصارح القارئ بأنّي كنت قد عقدت آمالا حقيقيّة على مهرجان بنزرت الدّولي في دورة 2012. كنت أعتقد، بسذاجة، أنّ الثّورة و قد أصابت بعضا من النّضج ستصل إلى أحد أمّهات العروض الثّقافيّة إن لم نقل أهمّها بمدينة على مدار العام. و لكن أجد نفسي، و كلّ أفراد عائلتي، مضطرّين للتّسليم بالأمر الواقع أنّه لا خير يرجى من مهرجان بنزرت و أنّه لا مناص من مقاطعته. و لكنّ الأمر بالنّسبة لي من الأهميّة أنه يستوجب تبيان أسباب هذا الموقف و عرض أوجه الفشل و مظاهر الخذلان لعلّ ذلك يضغط على إدارة المهرجان و يكون سببا في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. كما أريد من خلال هذا العرض تبيان الحقّ الشّرعيّ لهذا الشّعب في مهرجان يليق بتطلّعاته و يستجيب للإستحقاق الثّوريّ الثّقافيّ.
 حفل الإفتتاح: "تمييل الحزام"
أمّا عن الإسم البّراق ، بالي روسي للرّقص الحرّ، فحدّث. و أمّا عن "تمييل الحزام" فصرنا نوّرده من أقاصي الأرض و أبعد أركانها. في الحقيقة كان العرض صبيانيّا بامتياز و بدت الفرقة كمجموعة مدرسيّة و ذكّرتني بحفلات الرّوضة وليعذر لي القارئ قسوتي و لكن من شاهد العرض ربّما يراني أبلغ في اللّطافة المبالغ في تقييمي. أمّا الجزء الأكثر "إثارة" للجمهور فكان فقرات الرّقص الشّرقي التّى تولّته حسناوات روسيّات تمايلن على ركح الحصن الإسباني ببنزرت فأطربن "الشّباب المثقّف" إطرابا. أمّا الأثر الأبلغ فكان إحمرار وجوه الآباء و الأمّهات و مغادرة العائلات. و إن كنت و لا أزال أشرس المدافعين عن أحقيّة الجمهور في إختيار المادّة المشاهدة، و إن أقررت على مضض بأنّ فقرات الرّقص الشّرقيّ لاقت إستحسان أغلب الشّباب الحاضر، إلّا أنّها لا تليق بحفل الإفتتاح و المفترض فيه هو توجّهه إلى كافّة أصناف و طبقات المجتمع و ملاءمته لذوق العائلات. إنّ إختيارات إدارة المهرجان بالنّسبة لحفل الإفتتاح تنمّ عن ذوق سمج و قلّة إحترام موغلة في الإستفزازيّة و أقلّه لا حرفيّة شديدة.  
 أسعار التّذاكر: نيّة مبيّتة للإحتكار
أمّا عن أسعار التّذاكر، 15 دينارا للمقعد العاديّ لحفلة مرسال مثالا، فحدّث. سادتي منظّمي المهرجان، أبلّغكم إن كنتم نسيتم، أنّنا في دولة ثورة شعبيّة و أنّ عهد إحتكاركم (إتّجاه سياسيّ معروف تعاون مع السّلطة) لما تسمّونه الثّقافة قد ولّى. إنّنا لسنى في سويسرا و لا يعقل أن يكون ثمن التّذكرة بذلك الإرتفاع حتّى و إن كان المنشد المتنبّي نفسه. إنّ الثّقافة إن كان ذلك سعرها ليست بمتناولنا بحال من الحوال لنا،  أي التّونسيّين، فلا يمكنم إستعمال منشآت عموميّة على ملك هذا الشّعب و من ثمّ إقصاؤه منها.  
التّنظيم: "عرس فق السّطح
أمّا عن الإرتباك، تذمّر مارسال من أنظمة الصّوت مثالا، فحدّث. بداية أشير إلى سوء خلق المشرفين على إدخال المشاهدين و رفضهم "المبدئيّ" للتحيّة. و لم توفّر الإدارة مكانا للدّراجات النّايّة و من ثمّ رفضت إدخالها إلى البطحاء الدّاخليّة و لا هي خلّت بينهم و بين المأوى المغلق السّفليّ. و لسان حال المشرفين "اللّي عندو موتور يشرب ماء البحر". و قد تعلّل عضو بالإدارة، تولّى إخفاء هويّته (وضع البادج بجيبه) أنّ هنالك قانونا يمنع أصحاب الدّراجات "حتّى لا يضع أحدهم النّار بالدرّاجة و يلقيها على رؤوس المشاهدين" و قد سألته عن أيّ وثيقة تحتوي هذا القانون الطّريف فتولّى حينها إبعادي. و هنا أشكر موقف بوليس شريف تفهّم الأمر و ساعدني فأدخل الدرّاجة أمام أنضار البّوابين الذّليلة و أسال اللّه أن يسخّر له أحدهم يعينه يوم لا "تستمع له الإدارة و تعالي أصوات جزئ "سكران" من الجمهور بهتافات "الدّيقاج" و السّباب النابيّ في مشهد مؤلم من غياب الحضاريّة و الوعي. كما نشير للفشل الذّريع في ما يتعلّق بحفل الفرقة الإسبانيّة "باللّاهوجا" و التّي لم تتمكّن من الغناء لغياب التّنظيم و تراخي التّحضير و بلغنا أنّها  ربّما تعتزم متابعة الإدارة قضائيّا لعدم وفائها بتعهّداتها حسب العقد الموقّع.
 كذلك أسجّل الإنسحاب الأمنيّ خلال حفلة بنديرمان و العراك الذّي نشب و هنا ألوم وزارة الدّاخليّة أنّها لم تطهّر نفسها كما يرام لها ثوريّا حتّى يمكن للتّونسيّ أن ينعم ببوليس حرفيّ سواء سبّ احدهم البوليس بأغانيه أو لم يفعل.
إختيار الفنّانين: لا ثوريّ بامتياز
أمّا عن الفنّانين و المحتوى الفنيّ فكأنّنا به يتمّ بالتّشاور مع بن علي. نفس الفنّانين البارزين في العهد الدّيكتاتوريّة أغلبهم حاضرون بمهرجان بنزرت بل هم نجومه. أين فنّانوا الثّورة؟ أين هو الرّاب الهادف و الثوريّ؟ إنّ الإنبتات الحضايّ لبعض المنظّمين إنعكس على خياراتهم فكانت الأولويّة "للزّطلة" و الكوميديا السّخيفة السّاذجة. أين لطفي دوبل كانون و الجنرال و بسيكوآم وغيرهم الكثير. شئتم أم أبيتم فإنّ الرّاب الهادف في صعود في تونس و هو من أبرز نتائج الثّورة على المستوى الفنيّ. فلماذا الإقصاء و فرض إنبتاتكم فرضا على هذا الشّعب؟  
 في المحصّلة: جمهور ضئيل مرشّح للتّضائل
إنّه الإحباط حقّا أن يرى الفرد أنّ عديد الحضور لا يتجاوز رقما ضئيلا صغيرا. و الملام هنا ليس الجمهور أو "حسّه الفنيّ" و إنّما هو سلوك الإدارة المثير للإشمئزاز الذّي ذكرنا آنفا بعض وجوهه و لا تسع ورقتنا و لا علمنا ما خفي منه. و المثير للإهتمام هو إختيار المدير و طاقم الإدارة المحيط به وهو من دأبنا على رؤيته قبل الثّورة دائما في كلّ المحافل في عهد بن علي. و يضيفون على ذلك برهن مرارا من خلال تقديمه أو تصريحاته الصّحفيّة على فرنكفونيّته المفرطة و بعده عن حقيقة الوعي الثّقافيّ لشعبنا. ألوم هنا  وزارة الثّقافة على عدم تقديمها للبديل المناسب و الثّوريّ و مواصلة ثقتها في الوجوه القديمة.إلى متى لا تكون لنا ساحة فنيّة تخاطب عقوقنا و ثقافتنا؟ أدعو متساكني بنزرت إلى مقاطعة مهرجان الردّة.لا تطبيع مع من لا يحترمون عقولنا أو حسّنا الفنيّ.